محمد بن جرير الطبري

64

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وأجاز حذف " من " من " البرد " ، لأن " البرد " مفسر عن الأمثال ، كما تقول : عندي رطلان زيتا ، وعندي رطلان من زيت ، وليس عندك الرطل وإنما عندك المقدار ، ف " من " تدخل في المفسر وتخرج منه . وكذلك عند قائل هذا القول : من السماء ، من أمثال جبال ، وليس بجبال . وقال : وإن كان أنزل من جبال في السماء من برد جبالا ، ثم حذف " الجبال " الثانية و " الجبال " الأول في السماء جاز ، تقول : أكلت من الطعام ، تريد : أكلت من الطعام طعاما ، ثم تحذف الطعام ولا تسقط " من " . والصواب من القول في ذلك ، أن " من " لا تدخل في الكلام إلا لمعنى مفهوم ، وقد يجوز حذفها في بعض الكلام وبالكلام إليها حاجة لدلالة ما يظهر من الكلام عليها ، فأما أن تكون في الكلام لغير معنى أفادته بدخولها ، فذلك قد بينا فيما مضى أنه غير جائز أن يكون فيما صح من الكلام . ومعنى دخولها في قوله : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ للتبعيض إذ كانت الجوارح تمسك على أصحابها ما أحل الله لهم لحومه وحرم عليهم فرثه ودمه ، فقال جل ثناؤه : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ جوارحكم الطيبات التي أحللت لكم من لحومها دون ما حرمت عليكم من خبائثه من الفرث والدم وما أشبه ذلك مما لم أطيبه لكم ، فذلك معنى دخول " من " في ذلك . وأما قوله : وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ فقد بينا وجه دخولها فيه فيما مضى بما أغنى عن إعادته . وأما دخولها في قوله : وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فسنبينه إذا أتينا عليه إن شاء الله تعالى القول في تأويل قوله تعالى : وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يعني جل ثناؤه بقوله : وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ التسمية في الصيد على ما أمسكت عليكم جوارحكم من الصيد . كما : حدثنا المثني ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يقول : إذا أرسلت جارحك فقل : بسم الله التسمية في الصيد ، وإن نسيت فلا حرج . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ قال : إذا أرسلته فسم عليه حين ترسله على الصيد التسمية في الصيد . القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ يعني جل ثناؤه : واتقوا الله أيها الناس فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه ، فاحذروه في ذلك أن تقدموا على خلافه ، وأن تأكلوا من صيد الجوارح غير المعلمة أو مما لم تمسك عليكم من صيدها وأمسكته على أنفسها ، أو تطعموا ما لم يسم الله عليه من الصيد والذبائح مما صاده أهل الأوثان وعبدة الأصنام ومن لم يوجد الله من خلقه ، أو ذبحوه ، فإن الله قد حرم ذلك عليكم فاجتنبوه . ثم خوفهم إن هم فعلوا ما نهاهم عنه من ذلك ومن غيره فقال : اعلموا أن الله سريع حسابه لمن حاسبه على نعمته عليه منكم وشكر الشاكر منكم ربه ، على ما أنعم به عليه بطاعته إياه فيما أمر ونهى ، لأنه حافظ لجميع ذلك فيكم فيحيط به ، لا يخفى عليه منه شيء ، فيجازي المطيع منك بطاعته والعاصي لمعصيته ، وقد بين لكم جزاء الفريقين . القول في تأويل قوله تعالى : الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ يعني جل ثناؤه بقوله : الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ اليوم أحل لكم أيها المؤمنون الحلال من الذبائح والمطاعم ، دون الخبائث منها . قوله : وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وذبائح طعام أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، وهم الذين أوتوا التوراة والإنجيل ، وأنزل عليهم ، فدانوا بهما أو بأحدهما حِلٌّ لَكُمْ يقول : حلال لكم أكله دون ذبائح سائر أهل الشرك الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب وعبدة الأوثان والأصنام ، فإن من لم يكن منهم ممن أقر بتوحيد الله عز ذكره ودان دين أهل الكتاب ، فحرام عليكم ذبائحهم . ثم اختلف فيمن عنى الله عز ذكره بقوله : وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من أهل الكتاب ، فقال بعضهم : عنى الله بذلك ذبيحة كل كتابي ممن أنزل عليه التوراة والإنجيل طعام أهل الكتاب ، أو ممن دخل في ملتهم فدان دينهم وحرم ما حرموا وحلل ما حللوا منهم ومن غيرهم من سائر أجناس الأمم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، قال : ثنا عبد الواحد ، قال : ثنا خصيف ، قاله : ثنا عكرمة ، قال : سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى بني تغلب ،